السيد عباس علي الموسوي

109

شرح نهج البلاغة

الشرح ( « أرأيت لو أن الذين وراءك بعثوك رائدا تبتغي لهم مساقط الغيث فرجعت إليهم وأخبرتهم عن الكلأ والماء فخالفوا إلى المعاطش والمجادب ما كنت صانعا . قال : كنت تاركهم ومخالفهم إلى الكلإ والماء . فقال عليه السلام : فامدد إذا يدك . فقال الرجل : فو اللّه ما استطعت أن امتنع عند قيام الحجة عليّ فبايعته عليه السلام . والرجل يعرف بكليب الجرمي » ) . هذا الكلام منه عليه السلام يتضمن بيانا بوجوب اتباع الحق متى ظهرت معالمه ولا يجوز التسويف فيه أو التأخير إلى وقت آخر أو الرجوع إلى آخرين ولذا يقول الشريف الرضى في أسباب هذا الكلام إنه عليه السلام كلّم به بعض العرب وقد ارسله قوم من أهل البصرة لما قرب عليه السلام منها ليعلم لهم منه حقيقة حاله مع أصحاب الجمل لتزول الشبهة من نفوسهم فبين له من أمره معهم ما علم به أنه على الحق . ثم قال له : بايع . فقال : إني رسول قوم ولا أحدث حدثا حتى ارجع إليهم فقال عليه السلام : لو كنت سفيرا من قبل هؤلاء القوم الذين بعثوك لتبحث لهم عن مواطن العشب والماء وبعد تجوالك ودورانك رجعت إليهم وأخبرتهم بوجود مطلبهم في أماكن معينة ولكنهم عصوك وخالفوك ولم يقبلوا منك بل ذهبوا إلى الأماكن الجرداء القاحلة التي لا عشب فيها ولا ماء ما ذا كنت تفعل معهم أتتركهم وتذهب حيث رأيت الكلأ والماء أو تذهب معهم مع علمك بخطئهم . . . فقال الرجل الذي يطلب الحق ويقول الصدق : نعم كنت أتركهم وأذهب إلى حيث الكلأ والماء . فقال عليه السلام : إذا لزمتك الحجة وقد رأيت الحق فامدد يدك إليّ وبايع . فقال الرجل وهو يقسم باللهّ : إنه لم يستطع أن يمتنع عن طلب الإمام فبايعه بعد قيام الحجة عليه . . . وهذا درس لكل من رأى الحق وعرفه أن يستجيب له ويقبل به فهذا الرجل : كليب الجرمي حجة على كل إنسان في زمانه وفي زماننا وفيما يأتي من الأزمنة ، حجة على كل من فتح عينه فأبصر النور فارتد بغمضهما بغضا بالنور . . .